أخبار عاجلةالحدثمحليات

الرقمنة.. إلغاء للحواجز وإعفاء للجزائريين من كاهل الوثائق

الخطوة تواكبها عملية تطوير جذرية في الإجراءات الإدارية

 

 

 

على مرّ السنوات، بذلت الجزائر الجهود لإرساء الحكومة الإلكترونية، هذا المسعى الذي كان إلى وقت قريب صعب التحقق على أرض الواقع، أصبح اليوم واقعا، بعد أن أطلقت الحكومة منصات رقمية ومواقع الكترونية تخص كل قطاع وزاري، تقدم هذه المواقع بعض الروابط لهيئات ومؤسسات تابعة لها توفر العديد من الخدمات إلكترونيا للمواطنين والأفراد بضغطة زر.

فبعد أن كانت الحاجة إلى الحصول على وثيقة الميلاد أو شهادة الجنسية أو السوابق العدلية يستهلك وقتا وتنقلات عدّة لإيداع الطلبات أو الملفات الخاصة باستخراج هذه الوثائق أصبح اليوم من الممكن استخراجها بضغطة زر واحدة، وذلك بعد أن فرضت متطلبات التكنولوجيات الحديثة على الإدارة الجزائرية حتمية الانتقال من عملها التقليدي إلى العمل بالاعتماد على “الرقمنة” في تقديم الخدمات العمومية بالفعالية المطلوبة  والتكلفة الأقل، ومن هنا عملت الحكومة في إطار الاصلاحات الإدارية على  تبني مشروع رقمي متكامل يربط بين مختلف القطاعات، انبثقت عنه عملية تطوير جذرية ألغت الحواجز بين الإدارة والمواطن، وشملت هذه الإصلاحات العديد من الهيئات والقطاعات منها قطاع الجماعات المحلية، العدالة وحتى المالية العمومية  بينما تتطلع هذه القطاعات من خلال هذا التحول الذي لا يزال فتيا إلى الوصول إلى حكومة رقمية متكاملة تيسر كافة الخدمات سواء تلك التي تخص الأفراد أو المؤسسات الحكومية أو الخاصة.

  • مصالح حالة مدنية بمعايير “نموذجية

في السياق عكفت وزارة الداخلية والجماعات المحلية على تجسيد مفهوم الرقمنة ميدانيا، من خلال تسخير التكنولوجيا الحديثة للقضاء على البيروقراطية وتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن وخلق الشفافية في التعاملات الإدارية وهو ما كان له أثر مباشر على مصالح الحالة المدنية عبر بلديات الوطن هذه الأخيرة استطاعت أن تتخلص من فوضى الطوابير والازدحام على مستوي الشبابيك. وهو ما لمسناه في جولة قادتنا لعدد من بلديات العاصمة حيث وقفت “عاجل نيوز” على الهدوء الذي بات يخيم على مختلف مصالح الحالة المدنية، التي لم تكن تسجل من قبل سوى في حالات استثنائية وأيام معينة، وثمّن بعض رؤساء المصالح ومواطنون ممن التقينا بهم أثناء إعداد هذا التقرير ما وصلت إليه هذه الأخيرة بفضل الرقمنة التي أعطت ثمارها وأزالت البيروقراطية والطوابير الطويلة.

في هذا الصدد يقول يوسف خرشي رئيس مصلحة الحالة المدنية ببلدية جسر قسنطينة أن رقمنة مصالح الحالة المدنية سهّل الخدمة العمومية بشكل كبير مشيرا أن استحداث السجل الوطني الآلي للحالة المدنية وربط كل البلديات وملحقاتها الإدارية والبعثات الدبلوماسية والدوائر القنصلية بها مكنّ المواطن من استخراج كل وثائق الحالة المدنية بصفة آنية من أي بلدية أو ملحقة إدارية عبر الوطن دون تكبد عناء التنقل لبلديات اقامته.

ويضيف خرشي أن الطوابير التي كانت تسجل على شبابيك الحالة المدنية باتت من الماضي حيث كشف أن معدل حضور المواطنين لمصالح الحالة المدنية تراجع بحوالي 60 بالمائة  خاصة مع الإجراء الأخير الذي بات يسمح للمواطنين استخراج شهادات الميلاد، الزواج، والوفاة عن بعد، نفس العملية سمحت للجالية الجزائرية المقيمة بالخارج بتقديم طلب الحصول على شهادة الميلاد الخاصة ” 12خ” مباشرة عبر خدمة الإنترنت، بالإضافة الى إنشاء السجل الوطني الآلي لترقيم المركبات الذي مكن المواطنين من الحصول على بطاقات الترقيم لمركباتهم بصفة آنية ودون التنقل إلى ولاية التسجيل.

  • استخراج الوثائق بنقرة زرّ

رئيس مصلحة الحالة المدنية ببلدية الحراش زرارة حميد هو الآخر أكد أن الرقمنة في قطاع الجماعات المحلية كان لها أثر كبير في تسهيل معاملات المواطنين، مشيرا أن المواطن كان في السابق يعاني من أجل استخراج شهادة ميلاد لدرجة أن “الأدوار” في الطوابير والتي كانت تسجل عبر شبابيك الحالة المدنية في أوقات الدخول الاجتماعي كانت تباع وتشترى، وأضاف المتحدث في دردشة جمعته بـنا أن هذا المشكل تم تجاوزه اليوم، بفضل الرقمنة التي سمحت للمواطنين استخراج وثائقهم بكبسة زر.

من جهتهم أكد عدد من عمال مصالح الحالة المدنية ببلدية القبة أن رقمنة مصالح الحالة المدنية لم تسهل معاملات المواطنين فحسب، وإنما سهلت أيضا عمل الأعوان حيث ساهمت “الرقمنة” في تقليل الأخطاء الإملائية المرتكبة في تحرير وثائق الحالة المدنية عند إصدارها، فضلا عن إنقاذ وتجديد أرشيف عقود الحالة المدنية الخاصة بالميلاد والزواج والوفاة في البلديات التي تعاني من قدم سجلاتها أو التي أتلفت مع مرور الزمن.

  • الرقمنة تقرب المحاكم من المواطن

قطاع العدالة هو الآخر يعد من بين أكثر القطاعات التي تهم المواطن بالدرجة الأولى، وهو ما جعل الحكومة تسعى لتطوير منظومة التقاضي وتيسيره على المتقاضين، من خلال استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال، والتحول الرقمي إذ تم تجسيد عديد المشاريع في القطاع بغية الوصول إلى عدالة عصـرية بالمعايير الدولية.

وعبر المحاكم الابتدائية التي زارتها “عاجل نيوز” داخل إقليم ولاية الجزائر العاصمة، اختفت مظاهر الطوابير بعد تعميم نظام الرقمنة على كل الوثائق تقريبا، بما فيها الأحكام القضائية، أما شهادات الجنسية، وشهادات السوابق العدلية، فقد أصبح بإمكان المواطن استخدام شبكة الانترنت لاستخراجها وطباعتها، كما أصبح بإمكانهم الاطلاع على منطوق الأحكام والقرارات، عبر نافذة مآل القضية، إضافة إلى تحميل نماذج الاستفادة من المستحقات المالية لصندوق النفقة، إلى جانب خدمة طلب وسحب النسخ العادية، والقرارات، والمحررات القضائية، الممضاة إلكترونيا لفائدة المحامين، والولوج إلى خدمة المصادقة على الوثائق الإلكترونية المستخرجة عبر الانترنت، والتصديق على الوثائق القضائية الموجهة للاستعمال بالخارج لدى النيابة العامة، حيث كان للرقمنة أثر ودور كبير في جعل قطاع العدالة  أكثر انفتاحا على المحيط، والأكثر قربا من المواطنين، الذين عبروا عن ارتياحهم الكبير للتطور الحاصل بالقطاع في السنوات الأخيرة.

ويؤكد في هذا الصدد المحامي خالد بن تركي أن مشروع رقمنة قطاع العدالة يعتبر المشروع الأهم، حيث تم وضعه في إطار مسعى يهدف إلى التحول التدريجي نحو التقاضي الإلكتروني بعد تكييف المنظومة التشريعية وذلك بهدف تيسير التقاضي.

ويؤكد المتحدث في تصريح لموقع “عاجل نيوز” الإخباري أن الرقمنة سهلت على المتقاضيين والمحاميين وحتى القضاة عملهم مشيرا أن اعتماد نظام التسيير الإلكتروني للوثائق الإدارية والقضائية وكذا سجلات الحالة المدنية الممسوكة على مستوى المجالس القضائية، ساهم في الاستغلال الأمثل لأرشيف القطاع، وتجسيد مبدأ الإدارة الإلكترونية واختزل جملة من الإجراءات والتدابير الإدارية ليضيف أن تعميم استعمال تقنية المحاكمة المرئية عن بعد في إجراءات التحقيق والمحاكمة، وتمكين المواطن من استخراج القسيـمة رقم 03 لصـحيفة السوابق القضائية وشهادة الجنسية إلكترونيـا عبر الإنترنت وعبر الممثليات الدبلوماسية والقنصليات بالخارج أضاف مصداقية وطمأنينة من حيث ديمقراطية القضاء واستقلاليته من جهة أخرى، مؤكدا أن رقمنة الملف القضائي في جميع مراحله، بما في ذلك التبادل الالكتروني للعرائض خارج الجلسات سيكون له أثر كبير على عمل القضاء في الجزائر حين يتجسد على أرض الواقع.

  • مختصون يثمنون الموجود ويطالبون برفع تحدي إنجاح التحوّل الرقمي

عن الموضوع يقول أستاذ قسم العلوم الاقتصادية بجامعة زيان عاشور بالجلفة حسن بلواضح في تصريح لـ “عاجل نيوز”، أن التحول الرقمي الشامل باتت الحاجة إليه اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى، موضحا أن إرساءها من شأنه أن يزيد من فعالية الحكومة وتوفير الكثير من المال والوقت والجهد، على مستوى الإدارات الحكومية والمؤسسات التابعة لها، كما ستحمل رقمنة الخدمة العمومية فوائد عدّة، خاصة على مستوى المدن الكبرى، كما ستحدّ الرقمنة من الأخطاء ومن الفساد إذا ما نظرنا إليها من الجانب الإجرائي.

على صعيد آخر يقول بلواضح الرقمنة مكنت المواطنين من استخراج وثائقهم الإدارية عن طريق منصات رقمية متعددة ومختلف حسب طبيعة الوثائق يعتبر سابقة في الجزائر، متسائلا في هذا الصدد عن سبب التقاعس في تبني هذا النظام في السنوات الماضية أين كان هناك تبني للنظام التقليدي في تسيير الحكومة، ما يدفعنا اليوم للقول أن الرقمنة التي انتهجت في الحكومة الحالية ووفق ما جاء به برنامج رئيس الجمهورية هو بمثابة جسر النجاة صوب الجزائر الجديدة.

  • اقتصاد للملايير التي كانت تذهب كميزانيات لـ”الورق

في حين تشير الأستاذ المحاضر بجامعة أحمد دراية بأدرار بلقرع فاطمة، في تصريح لـ” عاجل نيوز”،أن رقمنة الإدارة الجزائرية تعد خطوة للقضاء على البيروقراطية والفساد أيضا معتبرة أن استحداث منصات إلكترونية تابعة لهيئات عمومية وقطاعات وزارية يعتبر نوع من الرقابة على تسيير هذه القطاعات كما أن التوجه نحو رقمنة الوثائق الإدارية حسب بلقرع يساهم بشكل مباشر في  تسهيل العمل الحكومي وتقليص استعمال الورق بشكل ملحوظ في مجال تبادل المعلومات والوثائق بين الإدارات المركزية وهو ما يعني اقتصاد الملايير التي تذهب كميزانيات لـ”الورق” فقط. وحسب ما تؤكده لقرع فإن مسار رقمنة الإدارة في الجزائر أخذ منعرجا حاسما خلال الأزمة الصحية الأخيرة التي عرفتها بلادنا، إذ أننا خلال هذه الفترة بالذات شهدنا نموا وانتعاشا في العمليات الرقمية واقبالا كبيرا من الجزائريين على مختلف خدمات الإدارة الإلكترونية وهو ما هيأ الأرضية لتطوير العمليات الرقمة أكثر في الإدارة الجزائرية التي توقعت لقرع أن تتخلص من “الورق” نهائيا في غضون 4 سنوات على أكثر تقدير إن تواصلت مساعي الرقمنة بهذه الوتيرة.

وبعد أن ثمن ما تحقق على أرض الواقع خاصة في مجال الإدارة من منصات إلكترونية ومواقع خدماتية، أثار الباحث وطالب الدكتوراه بكلية الحقوق والعلوم السياسية بودواو ببومرداس، محمد بن طالب في تصريح لموقع “عاجل نيوز” الإخباري، مسألة رأس المال البشري الذي تتمتع به الجزائر للإقبال على رقمنة كافة الإجراءات والقطاعات الحكومية لتحقيق المسعى الذي يرافع له برنامج رئيس الجمهورية، من خلال عصرنة التحول الرقمي في الجزائر، مشيرا أن جيل الشباب اليوم يتمتع بكفاءة رقمية عالية ومستعد للانخراط في المسعى الذي تريد الحكومة الوصول إليه وهو الاعتماد على الحكومة الرقمية، لهذا يرى المتحدث أنه لا يوجد داع لتأجيل إطلاق عجلة التغيير والانتقال إلى الحكومة الإلكترونية خاصة وأن العملية ليست معقدة كما أنها لا تتطلب وقتا طويلا أيضا، لهذا لا بد _ يضيف بن طالب_، على الجزائر استثمار مواردها تحضيرا للمستقبل والذي لن يكون بعيدا عن التحول الرقمي الشامل.

إظهار المزيد

نصيرة. ك

صحفية منذ 2019، مختصة في الشأن الوطني.

مقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى