أخبار عاجلةرأيرأي اليوم

حصار مأرب بين تجربتين

 

يستميت الحوثيون في اليمن للسيطرة على محافظة مأرب، منذ مطلع العام الجاري (2020) مستفيدين من متغيرات عدة، يقع جزء منها في طرف الحوثيين أنفسهم، والجزء الآخر في الحكومة الشرعية (المعترف بها دوليًا)، وإلى جانبها التحالف العربي، بقيادة السعودية والإمارات، أثار الكاتب جانبا منها، في “العربي الجديد”، في مقالتيه “التصعيد في شبوة والهدف مأرب”، و”الحوثيون من الجوف إلى مأرب”.

تجسّد الصورة الراهنة للوضع العسكري، بين طرفي المواجهة في محيط مأرب، تجربتين تاريخيتين، واحدة منها مرَّت بها مأرب، والثانية مرّت بها صنعاء. كانت مأرب، في الأولى، هدفًا استراتيجيًا للقائد الروماني أليوس جالوس الذي انكسرت قواته على أسوارها عام 24 ق.م، على الرغم من تهيئته ذلك، بالسيطرة على مناطق تقع، حاليًا، في نطاق محافظة الجوف المجاورة، ومحافظة مأرب نفسها، مثل بَراقِش ومَدغَل، على التوالي. التجربة الثانية حصار السبعين يومًا الذي فرضته قوات الملكيين على قوات النظام الجمهوري الجديد في صنعاء، بعد مرور خمس سنوات على قيام الثورة عام 1962، ومرور أربع سنوات على قيام الثورة في الجنوب (عدن) عام 1963؛ حيث استمر الحصار من نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، حتى أوائل فبراير/ شباط 1968، في وقتٍ كانت فيه قوات من الجيش المصري التي دفع بها الرئيس جمال عبد الناصر، لدعم الثوار، قد غادرت اليمن، تاركة اليمنيين يقرّرون مصيرهم؛ نتيجة تحولات إقليمية عديدة، أبرزها نكسة 1967.

في ضوء تينك التجربتين، تبدو محاولة الحوثيين السيطرة على مأرب، ودفاع قوات الحكومة الشرعية عنها، نسقًا مكرورًا، إلا أن النهاية لا تبدو واضحة، فكل طرف يحاول، جاهدًا، وضع نهايتها وفقًا لما خطّط له، في ظل الدور المكشوف للتحالف العربي الذي يشبه، إلى حد ما، دور حلفاء طرفي المواجهة في حصار السبعين يومًا. ويحضر في الحالتين الدور السعودي مع اختلاف موقعه؛ حيث كان، حينذاك، في صفّ الملكيين، فيما يُحسب، حاليًا، على الصف المناوئ للحوثيين، بوصفهم امتدادًا عقديًا وعرقيًا للملكيين. أما جنوبًا (عدن) فتحِل الإمارات محل سلطة الاحتلال البريطاني، عبر وكيلها المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي)، مع اعتمادها على قوات أسرة الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، التي تتمركز في أجزاء من الساحل الغربي، بوصفها ورقة أخرى في لعبة الحرب، تديرها منفردةً أو بالتشارك مع السعودية.

مأرب تحت حصار حوثي غير مكتمل، يمتد على شكل هلال، تنتشر على حوافّه قوات مجندّة حديثًا

وخلال الثمانية الأشهر الماضية، خسر الحوثيون مئات من المقاتلين والقادة الميدانيين، في سبيل السيطرة على الجوف، وتمهيدًا للاقتراب من مدينة مأرب، بعدما أعيتهم جبهة صرواح الواقعة غربيِّها، على الحدود الإدارية مع صنعاء، ثم لجأوا إلى فتح جبهة أخرى في محافظة البيضاء، جنوبي مأرب، على الحدود الإدارية بينهما، وتمكّنوا من إحراز تقدّم فيها، بالتوغل في مديرية ماهِليّة، وذلك ما يفيد بأن الهدف القادم مديرية حريب التي يمكّن السيطرة عليها من الالتفاف وقطع الاتصال الجغرافي مع محافظتي شبوة وحضرموت، والإمدادات التي تتدفق عبرهما إلى القوات الحكومية في مأرب والجوف.

حاليًا، مأرب تحت حصار حوثي غير مكتمل، يمتد على شكل هلال، وتنتشر على حوافّه قوات مجندّة حديثًا، ويبدأ طرفه من حدود البيضاء، مرورًا بمحافظة صنعاء، ووصولًا إلى محافظة الجوف، ويزيد الوضع سوءًا اختزال الصراع ليبدو كمعادلة ذات متغيرين: الحوثيون وحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يعد الفاعل السياسي الأبرز في طرف الحكومة الشرعية، وتحيط ذلك شكوكٌ معلنة حول نوايا التحالف الذي يحاول توجيه هذه المعادلة، لتكون محصلتها صفرا. وإزاء ذلك تُبدي القوات المنضوية تحت قيادة الحكومة الشرعية، وهي قوات رسمية وأخرى من مجاميع قبلية، اندفاعًا هجوميًا في جبهات الجوف، وحماسًا دفاعيًا في جبهاتٍ أخرى على هذا الهلال، سيما في صِرواح وماهلية.

وفي السياق، تعدّ محافظة شبوة، حاليًا، محور ارتكاز حسّاس لمأرب، مثلما كانت مدينة (ميناء) الحديدة محور ارتكاز مماثل لصنعاء، ومدخلًا لكسر حصار السبعين يومًا. لذلك تحاول القوات الحكومية الحفاظ على هذا الوضع، لكسر الحصار الحوثي على مأرب، والدفع بجانب من هذه القوات إلى احتلال وضع ومواقع ما قبل يناير/ كانون الثاني 2020، حين كان جنودها يطرقون أبواب صنعاء من عدة جبهات. بل كان هنالك توجه إلى تحقيق إحاطة طويلة تمتد إلى الباب الجنوبي لصنعاء، عبر محافظتي البيضاء وذمار، لولا انشغال جزء كبير من القوات الحكومية في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، وتعثر تنفيذ اتفاق الرياض المبرم بينهما في نوفمبر/ كانون الثاني 2019.

أمام ما يجري من سباق دامٍ بين الحوثيين والحكومة الشرعية، في مثلث الصراع: مأرب والجوف والبيضاء؛ ثمّة تحولان جوهريان، يُعتقد أن يكون لهما دور في الحسم لمصلحة الحكومة الشرعية، أو تعزيز نفوذ الحوثيين، والانتقال بهذا الصراع إلى محطّة جديدة: دخول آلية تسريع تنفيذ اتفاق الرياض مرحلة التنفيذ، وتعيين نائب رئيس هيئة أركان الجيش السعودي، الفريق مطلق الأزيمع، قائدًا للعمليات المشتركة للتحالف العربي، خلفًا للقائد المعزول والمحال إلى التحقيق، فهد بن تركي بن عبد العزيز. ولن يكون لهذين التحولين أثر واضح وسريع لمصلحة قوات الحكومة الشرعية، خلال ثلاثة أشهر؛ لأنهما يواجهان تحدّياتٍ تنفيذيةٍ عديدة، داخلية ودولية. وهذا ما يجعل معركة مأرب أداةً لاستنزاف أطرافها، بالنظر إلى التفاني الذي يبديه كل منهما، والحسابات الخاصة لقطبي التحالف العربي، سيما في مناطق جنوب البلاد وجزيرة سقطرى، علاوة على الصمت المريب للمبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث.

علي الذهب

إظهار المزيد

مقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى