الجزائر تفتح ذراعيها لأبنائها.. “يدٌ ممدودة” تنهي حقبة الاغتراب

 

لم تكن عودة الناشط أحمد سقلاب إلى شوارع العاصمة بعد 11 عاما من المنفى الاختياري مجرد خبر عابر في منصات التواصل الاجتماعي، بل كانت “رسالة مشفرة” بالصوت والصورة، تؤكد أن المقاربة الجديدة التي تبنتها الدولة الجزائرية تجاه معارضي الخارج قد انتقلت من حيز الوعود السياسية إلى أرض الواقع الملموس.

إن القرار الرئاسي الأخير الذي أعلن عنه الرئيس عبد المجيد تبون في 11 جانفي الجاري، يمثل تحولا جوهريا في كيفية تعامل الدولة مع ملف النشطاء في الخارج. فبدلا من لغة الصدام والملاحقات القضائية التي استنزفت طاقات الشباب في الخارج لسنوات، اختارت الدولة لغة “التسوية والاحتواء”. هذا التوجه ينطلق من قراءة واقعية مفادها أن الكثير من هؤلاء الشباب “دُفع بهم إلى الخطأ عمداً”، كما وصفهم الرئيس، وأنه قد آن الأوان لتصحيح المسار بعيدا عن دوائر الاستغلال الأجنبي.

ظهور سقلاب “معززا مكرما” في مطار الجزائر، واجتماعه بوالدته بعد عقد من الزمن، هو الضمانة الحقيقية التي كانت تحتاجها القواعد الشبابية المترددة في الخارج. فالتزام السلطات بتسوية الوضعية القانونية ومنح وثائق السفر دون مضايقات، يسقط “فزاعة” الملاحقة الأمنية التي كانت تروج لها بعض الأطراف لتعميق الفجوة بين الدولة وأبنائها.

إن توقيع النشطاء على وثيقة الالتزام بالقانون والنظام العام ليس “انكسارا”، بل هو عقد اجتماعي جديد؛ مفاده أن الوطن يتسع للجميع شريطة احترام ثوابت الدولة وقوانينها، وأن المعارضة من الداخل -حتى وإن كانت حادة- تظل أكثر وطنية وجدوى من ارتهان المواقف لأجندات خارجية مشبوهة.

من الذكاء السياسي أن هذا القرار لم يكن “شيكا على بياض”، بل وضع خطوطا حمراء واضحة. فاستثناء المتورطين في إراقة الدماء، تجارة الأسلحة، المخدرات، أو التخابر مع جهات أجنبية، يعكس صرامة الدولة في حماية أمنها القومي. الجزائر بهذا القرار تميز بوضوح بين “المعارض السياسي” الذي أخطأ التقدير، وبين “المجرم” الذي استهدف كيان الدولة واستقرارها.

الإقبال الذي تشهده القنصليات الجزائرية في لندن وباريس ومدريد اليوم يعكس رغبة جامحة لدى الكثيرين لغلق ملف “الغربة القسرية”. ونجاح هذه المبادرة سيسهم بلا شك في تعزيز الجبهة الداخلية عبر تصفية الخلافات التي كانت تُستغل كأوراق ضغط ضد الجزائر في المحافل الدولية.

واستعادة الكفاءات فالكثير من هؤلاء النشطاء يمتلكون قدرات تأثيرية يمكن توظيفها في بناء الدولة بدلا من هدم صورتها.

وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية، تأكيدا على أن “الجزائر الجديدة” هي وطن جامع لا يقصي أحدا إلا من أقصى نفسه بجريمة لا تغتفر.

خلاصة القول، إن عودة أبناء الجزائر إلى حضن وطنهم هي انتصار للمنطق الوطني على منطق التخوين. والكرة الآن في مرمى بقية النشطاء؛ فالوطن مَدّ يده، والفرصة التاريخية لتصحيح المسار قد لا تتكرر، لأن بناء “الجزائر القوية” يتطلب سواعد الجميع، داخل الحدود وخارجها.

 

 

 

 

 

* تنويه: المقال مأخوذ من صفحات التواصل الإجتماعي الرسمية للصحفية.

Exit mobile version