دخلت المنطقة والعالم في نفق جيوسياسي مظلم، مع إعلان الولايات المتحدة البدء الفعلي لتنفيذ حصار بحري شامل على مضيق هرمز بقرار مباشر من الرئيس دونالد ترامب. هذه الخطوة، التي وُصفت بأنها “الأخطر” في تاريخ النزاعات المعاصرة، جاءت فور انهيار جولة مفاوضات شاقة استمرت 21 ساعة دون الوصول إلى تفاهمات بشأن الملف النووي وأمن الملاحة.
- شلل في الشريان الحيوي
عند الساعة العاشرة من صباح أمس الاثنين (بتوقيت شرق الولايات المتحدة)، بدأت القوات الأميركية باعتراض السفن الداخلة والخارجة من الموانئ الإيرانية، مما تسبب في شلل فوري في حركة الملاحة. وأكدت بيانات “لويدز ليست إنتليجنس” توقف حركة الناقلات عبر المضيق، حيث اضطر عدد كبير من السفن لتغيير مساره خوفاً من التبعات العسكرية، مما عزل فعلياً نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عن الأسواق.
- لعبة “الدجاج” والاقتصاد العالمي
ووصف الخبير الاقتصادي الشهير نورييل روبيني المشهد الحالي بـ “لعبة الدجاج”، حيث يسعى كل طرف لإجبار الآخر على التراجع أولاً. وحذر روبيني من أن “تلاشي مساحة المناورة” يرفع من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، مؤكداً أن إيران قد تملك قدرة على الصمود أطول مما يتوقعه الجانب الأميركي، مما يطيل أمد الأزمة ويُبقي الضغط خانقاً على الدول المستوردة للطاقة.
- زلزال في الأسواق
ولم تتأخر استجابة الأسواق العالمية لهذا التصعيد؛ إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من 8% متجاوزة حاجز الـ 100 دولار للبرميل، فيما سجلت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعاً قياسياً بنسبة 17%. وفي سياق التحذيرات، أشار تريتا بارسي، من معهد “كوينسي”، إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع بالأسعار إلى عتبة الـ 150 دولاراً للبرميل، خاصة إذا ما استمر تعطل الإمدادات الخليجية.
- أسوأ أزمة طاقة في التاريخ
من جانبه، أطلق فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، تحذيراً شديد اللهجة، واصفاً الأزمة الحالية بأنها “أسوأ صدمة طاقة يشهدها العالم على الإطلاق”، متجاوزة في تأثيرها أزمات السبعينيات الكبرى. وأيده في ذلك دانيال يرجين، نائب رئيس “إس آند بي غلوبال”، الذي اعتبر أن ما يحدث يمثل اضطراباً تاريخياً لم تشهده الأسواق حتى في ذروة حرب الخليج أو الغزو العراقي للكويت.
- آمال ضئيلة وتوقعات متشائمة
ورغم قراءة الباحث ديفيد لوبين التي تشير إلى أن تنوع مصادر الطاقة قد يجعل الاقتصاد العالمي أكثر صموداً عما كان عليه في الماضي، إلا أن المخاوف تظل قائمة. وقد بدأ صندوق النقد والبنك الدوليان بالفعل في التلميح إلى خفض توقعات النمو العالمي ورفع تقديرات التضخم، مع التأكيد على أن الاقتصادات الناشئة في آسيا ستكون الأكثر تضرراً من توقف إمدادات التكرير والشحن عبر هذا الممر الاستراتيجي.
تبقى الأنظار معلقة الآن على رد الفعل الإيراني في الميدان، وعلى قدرة القوى الدولية في كبح جماح التصعيد قبل أن تتحول “اختبارات الإرادة” إلى حرب شاملة تأكل الأخضر واليابس في مفاصل الاقتصاد العالمي.
