الجزائر.. أرض المصالحة والتعايش

 

لم يكن مشهد امتزاج الأردية البيضاء للأئمة بكساء القساوسة الكنسي تحت سقف “جامع الجزائر” يوم 13 أفريل 2026 مجرد لوحة بروتوكولية عابرة، بل كان بياناً بصرياً لولادة عهد جديد من الدبلوماسية الروحية. إن زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر، وهي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد المستقلة، لم تكن مجرد “زيارة دولة”، بل كانت “حجّاً للسلام” في توقيت يشتعل فيه العالم بصراعات الهوية والمصالح الضيقة.

اختار السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن يستحضر عمق الشخصية الجزائرية في خطابه؛ فلم يكتفِ بالحديث عن السياسة، بل أعاد رسم الخارطة الروحية للمنطقة. حين وصف القديس “أوغسطين” بأنه ابن “سوق أهراس” وأسقف “عنابة”، فإنه كان يرسل رسالة للعالم بأن الجزائر ليست مجرد فاعل سياسي طارئ، بل هي مخزن للقيم الإنسانية العابرة للأديان.

هذا الربط بين إرث “أوغسطين” الروحي وبطولات “الأمير عبد القادر” الإنسانية، شكّل جسراً متيناً مع الفاتيكان. فالجزائر التي دافع أميرها عن مسيحيي الشام في القرن التاسع عشر، هي نفسها اليوم التي تفتح أبواب أكبر صروحها الإسلامية لاستقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية، لتؤكد أن “الأصالة” لا تتعارض مع “التعايش”، بل هي الحاضنة له.

في لحظة فارقة، تحول “جامع الجزائر” إلى منبر عالمي للمطالبة بالعدالة. لقد كانت رسائل الرئيس تبون واضحة وحادة: “إنصاف الشعب الفلسطيني” ليس مجرد خيار سياسي، بل هو اختبار للضمير العالمي. وقد جاء رد البابا ليون الرابع عشر متناغماً مع هذا التوجه، حين حذر من “النزعات الاستعمارية الجديدة” وندد بالانتهاكات التي تطال كرامة الإنسان.

إن تطابق الرؤى بين الجزائر والفاتيكان حول ضرورة وقف المأساة في غزة، واستعادة الاستقرار في لبنان ودول الخليج، يمثل “جبهة أخلاقية” جديدة. هذا التحالف غير التقليدي يضع القوى العظمى أمام مسؤولياتها، ويؤكد أن “صوت السلام” الذي ينطلق من الجزائر يمتلك شرعية تاريخية وروحية لا يمكن تجاهلها.

المثير للإعجاب في هذا اللقاء هو التوافق حول “اقتصاد الإنسانية”. الرئيس تبون أكد أن العدالة الاجتماعية ركيزة في الدستور الجزائري، والبابا اعتبر “الصدقة” واجباً يرتبط بالعدالة وتقاسم الخيرات.

هذا الخطاب المشترك يمثل تمرداً ناعماً على “العولمة المتوحشة”. فحين يحذر البابا من تحويل “البحر المتوسط والصحراء” إلى مقابر للآمال، فإنه يتبنى المقاربة الجزائرية التي ترى في التنمية الشاملة والعدالة في توزيع الثروة الحل الوحيد لمواجهة أزمات الهجرة والصراع بين الشمال والجنوب.

وصف البابا للجزائريين بأنهم “الأقوياء حقاً” لأنهم لا ينخدعون بالسلطة أو المال، هو اعتراف دولي بصلابة المجتمع المدني الجزائري وقدرته على الصمود. لقد رسمت الكلمات البابوية للجزائر صورة “أرض المصالحة” التي يحتاجها العالم اليوم للخروج من نفق “سوء الفهم” المظلم.

إن حضور 1500 شخصية من مختلف المشارب، من قادة الجيش إلى رجال الدين، ومن الدبلوماسيين إلى المفكرين، يؤكد أن هذه الزيارة أسست لمرحلة “الحوار الشامل”.

لقد نجحت الجزائر في تحويل “جامع الجزائر” من صرح ديني إلى فضاء دبلوماسي إنساني بامتياز. إنها الرسالة التي أطلقها الرئيس تبون وباركها البابا: العالم ليس بحاجة إلى مزيد من الأسلحة، بل هو بحاجة إلى مزيد من “أوغسطين” ومزيد من “الأمير عبد القادر”، وإلى عدالة تنصف المظلومين في فلسطين وكل بقاع الأرض.

ستبقى هذه الزيارة محفورة في الذاكرة كـ “فصل جديد من التاريخ”، حيث تعانق الهلال والصليب في “أرض الثوار” لرسم طريق السلام.

Exit mobile version